محمد باقر الملكي الميانجي

116

مناهج البيان في تفسير القرآن

لمّا نهى اللّه - سبحانه - عن التسامح في أمر الكتابة في صغير الأموال وكبيرها ، قد أشار إلى بعض فوائدها وقال : « ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ » لصونها حقوق الناس وحفظها أموالهم بعيدا عن التنازع والتخاصم ، وبالتالي منع الناس من الوقوع في أكل أموالهم بالباطل ، فيهلكون من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون . وقال أيضا : « وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ » فإنّ كتابة مورد الشهادة عماد بقاء الشهادة ، إذ الكتابة كما أنّها كتابة للمال وذكر عند الحاجة إليها ، كذلك كتابة للشهادة وحافظة لها عند نسيان الشهود إيّاها ، أو إنكارهم وعدولهم عن الشهادة ، أو موتهم أو غيبتهم ، فالكتابة تقيم الشهادة ، والشهادة تحتاج إلى الكتابة كاحتياج المال إليها . وقال أيضا : « وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا » فإنّ الحوادث والوقائع ، لا يمكن حفظها وذكرها على ما هي عليه لعموم الناس إلّا بالكتابة ، فلا بدّ لهم لحفظ شؤونهم وحقوقهم ونفي الريب عنها من التوسّل بكلّ ما يقدرون عليه ، وبحسب رقيّهم في المدنيّة والحضارة وبحسب دقّتهم وبصيرتهم بالأمور . فأمر الكتابة وتقييد الحقوق في أوراق ودفاتر على نحو الإتقان يجعل أمورهم بعيدة عن تسرب الخلل إليها والارتياب بها . ويستطيعون من خلال الكتابة ضبط القرائن والأحوال ، وصونها عن احتمال التزوير والخيانة ، وبالتالي وضع قرائن وعلامات المستمسكات المزوّرة ، والتحفّظ الشديد على شؤون الكاتبين وإيمانهم وتقواهم وكياستهم وفراستهم وكذا الشهداء ، وهذا أقصى ما يمكن بحسب الأسباب العادية لنفي الريب والترديد والشكّ عن الحقوق والأموال . . قال في المنار 3 / 126 : وهذه مزيّة ثالثة للكتابة توكّد القول بالأخذ بها والاعتماد عليها ، وجعلها مذكّرة للشهود والاحتجاج بها إذا استوفيت شروطها . أقول : لا ريب في أنّ الكتابة من الطرق العقلائيّة ، ومن الأمارات العقلائيّة على إحراز الواقع ، وهذه الآيات نصّ قطعيّ على إمضائها ، وإرشاد إلى فوائدها ، وليس لازم إمضاء طريقيّة الكتاب كونه طريقا إلى إحراز الواقع مطلقا ولو في مورد الريب ، بل المتيقّن من مورد الإمضاء مورد عدم الريب ، فإنّ الكتاب جعل لنفي الريب تكوينا ، بعبارة أخرى إنّما أمر اللّه بالكتابة بلحاظ نفي الريب وهو